حميد بن أحمد المحلي

276

الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية

كهل طوال مصفر مستور الوجه ، قد أثر السجود في جبهته ، عليه جبة صوف يستقي الماء على جمل ، وقد انصرف يسوق الجمل ، لا يضع قدما ولا يرفعها إلا ذكر الله عز وجل ودموعه تنحدر ، فقم فسلم عليه وعانقه ، فإنه سيذعر منك ، فعرّفه بنفسك ، وانتسب له ، فإنه يسكن إليك ويحدثك طويلا ، ويسألك عنا جميعا ، ويخبرك بشأنه ولا تضجر من جلوسك معه ، فلا تطل ، ودعه فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه ، فافعل ما يأمرك به من ذلك ، فإنك إن عدت إليه توارى منك واستوحش وانتقل من موضعه ، وعليه في ذلك مشقة . فقلت له : أفعل كلما أمرتني به ، ثم جهزني إلى الكوفة وودعته وخرجت ، ولما وردت الكوفة قصدت سكة بني حي بعد العصر ، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي ، فلما غربت الشمس إذا أنا به يسوق الجمل ، وهو كما وصف لي أبي ، لا يرفع قدما ولا يضعها إلا وحرّك شفتيه بذكر الله « 1 » ، ودموعه ترقرق من عينيه ، وتذرف أحيانا ، فقمت فعانقته ، فذعر مني كما يذعر الوحش من الإنس ، فقلت : يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك ، فضمني إليه وبكى حتى قلت : قد جاءت نفسه ، فأناخ جمله وجلس معي ، وجعل يسألني عن أهله رجلا رجلا ، وامرأة امرأة ، وصبيا صبيا ، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي ، ثم قال : يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء ، فأصرف مما اكتسبته أجرة الجمل إلى صاحبه ، وأتقوت بباقيه ، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء ، فأخرج إلى البريّة - يعني بظهر الكوفة - فألقط ما يرمي الناس به من البقول وأتقوته ، وقد تزوجت إلى هذا الرجل ابنته ، فهي لا تعلم من أنا إلى وقتي هذا ، فولدت مني بنتا ، فنشأت وبلغت وهي أيضا لا تعرفني ولا تدري من أنا ، فقالت لي أمها : زوج ابنتك بابن فلان السقاء لرجل من جيراننا يستقي الماء فإنه أيسر منها وقد خطبها ، وألحت عليّ ، فلم أقدر على إخبارها أن ذلك غير جائز ، ولا هو بكفء لها فيشيع

--> ( 1 ) في ( أ ) : إلا ذاكر الله .